الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
58
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وإجابة من أجاب إلى الإسلام وعمارة الدين ، وقوة الإيمان وبلوغ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ما آثره من المراد وانتظام الأمر على ما قرّت به عينه ، وظهر استبشاره به وسروره بتمامه لكافّة أهل الإسلام ، وقد ثبت أنّ الطاعة تعظم بتعاظم النفع فيها كما تعظم المعصية بتعاظم الضرر بها ، ولذلك صار الأنبياء عليهم السلام أعظم الخلق ثوابا لتعاظم النفع بدعوتهم على سائر المنافع بأعمال من سواهم من الناس . قال : ومثل ذلك أيضا ما جاء في قصّة « براءة » وقد دفعها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين . فلمّا سار غير بعيد نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال : إنّ اللّه يقرؤك السلام ويقول : « لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك » فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عليا عليه السلام وقال له : اركب ناقتي العضباء وألحق أبا بكر فخذ « براءة » من يده وامض بها إلى مكّة ، وانبذ بها عهد المشركين إليهم وخيّر أبا بكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ ، فركب عليه السلام ناقته العضباء ، وسار حتّى لحق أبا بكر . فلمّا رآه فزع من لحوقه به واستقبله وقال : فيم جئت يا أبا الحسن أسائر أنت معي أم لغير ذلك فقال عليه السلام له : أمرني النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن ألحقك ، فأقبض منك الآيات من « براءة » وأنبذ بها عهد المشركين إليهم ، وأمرني أن اخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه . فقال : بل أرجع إليه ، وعاد إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وقال له : إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق إليّ فيه . فلمّا توجّهت له رددتني عنه ، مالي أنزل فيّ قرآن فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : لا . ولكنّ الأمين جبرئيل عليه السلام هبط إليّ عن اللّه - عزّ وجلّ - بأنهّ لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك ، وعلي منّي ولا يؤدّي عنّي إلّا علي - في حديث مشهور - . وكان نبذ العهد مختصا بمن عقده أو بمن يقوم مقامه في فرض الطاعة وجلالة القدر ، وعلو الرتبة ، وشرف المقام ، ومن لا يرتاب بفعاله ، ولا يعترض عليه في مقاله ، ومن هو كنفس العاقد وأمره أمره . فإذا حكم بحكم مضى